هل بات على نجومنا اعتزال الأضواء؟

فنانون وفنانات منذ 6 سنوات و 7 شهور 373
هل بات على نجومنا اعتزال الأضواء؟

قبل أكثر من سنة، لم يكن مسلسل "الشحرورة" إلا حبراً على ورق، وكانت الشحرورة صباح ترقد مريضة عاجزة حتى عن الكلام، تطاردها شائعة الموت من جهة، وشعورها بالسجن في جسد هدّته سنوات عمرها الطويل، فصرّحت قائلة "كل شي بات معطلاً فيّ إلا عقلي".

 

ظهرت الصبوحة يومها في أكثر من لقاء تلفزيوني في شهر رمضان، لم يكن لديها ما تتحدث عنه سوى رغبتها في الموت، قالت "عشت أكثر مما ينبغي آن الأوان لأموت"، كانت تبدو هزيلة، شاحبة، حزينة لا تشبه صباح التي عرفها الجمهور العربي منبعاً للفرح والأمل وحب الحياة.

 

طالبناها يومها باعتزال الأضواء كي لا تهتز الصورة التي صنعتها على مدى عقود، خصوصاً أن احتجاب الصبوحة لا يعني اعتزالها، فهي حاضرة بأغانيها وأفلامها وشخصيتها الفريدة من نوعها، التي جعلت منها أسطورة لا يليق بها أن تكون مثاراُ للشفقة.

 

فقد ظهرت الصبوحة في مقابلة على محطة مصرية، استخدمت للترويج للمقابلة عبارة "لقاء مع الصبوحة قد يكون الأخير"، وهي جملة أثارت استياء محبي الفنانة وفريق عمل البرنامج على حد سواء، إذ تخلّت المحطة عن أدنى المعايير الأخلاقية لتدعو المشاهدين إلى إلقاء النظرة الأخيرة على الصبوحة، التي استعادت عافيتها، وظهرت متألقة بعد عرض مسلسل "الشحرورة"، غير أن تلك الصورة الهزيلة انطبعت حتى في أذهان كاتب المسلسل ومخرجه، فوضع له نهاية كئيبة، صباح وحيدة عاجزة عن الحركة، مثيرة للشفقة، تشبه أي امرأة في أرذل العمر ولا تمت إلى تلك النجمة المضيئة بصلة.

 

بدوره أطل الفنان وديع الصافي منهك القوى، فجلس على كرسي ليغني بصوت ضعيف مع مشاهير "ديو المشاهير" في الحلقة التي بثّت مساء الجمعة الماضية.

 

احتفل الصافي على مسرح البرنامج بعيده التسعين، بدا ظريفاً كعادته، محباً للحياة، غير أن سنوات العمر الطويلة سلبته قوة صوته، ونشاطه الذي منعه من الوقوف طويلاً في برنامج قائم على الاستعراض، فبدا منهكاً رغم محاولته إشاعة الفرح من حوله، غنى لنفسه، تمنى لها عيداً سعيداً، لكنه خلّف غصة في قلوب محبيه.

 

لن يدوم شباب الصافي إلى ما لا نهاية، ولن يبقى صوته على قوته، لكن صورته وتاريخه الحافل لا تليق بهما تلك الصورة التي ظهر بها، كان يكفي محبوه أن يروه في مقابلة تلفزيونية يتحدّث فيها عن تاريخه الحافل بالإنجازات، إلا أنّ حاجته الدائمة إلى العمل، بسبب تخلي دولته عنه، دفعته إلى القبول بمغامرة في برنامج لم يأت عليه إلا بنظرات شفقة، وحسرة على صوت الجبل الذي كان في يوم من الأيام يهدر بقوة.

 

ويطرح ظهور الصافي منهكاً على المسرح من جديد قضية تقاعس الدولة عن تأمين شيخوخة الفنانين، أقلها الطبابة المجانية، وهو ما عرضه وزير الصحة اللبناني قبل يومين على الفنان جورج وسوف، الذي يتماثل للشفاء في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، العرض الذي ردّه الوسوف شاكراً لأن الدولة السورية تتكفل بكل مصاريفه، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول الازدواجية التي تتعامل بها الدولة اللبنانية مع الفنانين، فتقصي الصافي وتحتضن الوسوف الذي لا يحتاج أصلاً إلى حضنها بوجود دولته التي أمنت له أكثر من مجرد حضن دافىء لفنان على سرير المرض.

 

وبعيداً عن لبنان، لا يزال الجمهور يذكر الشاب الوسيم الذي كان بطلاً لأفلام الأبيض والأسود في السينما المصرية، أحمد رمزي الذي كان رفيق درب عبد الحليم، والنجم الوسيم في أفلام من الزمن الجميل، نجم ابتعد سنوات طويلة، وحين قرر أن يطل في مسلسل "وجه القمر" مع الفنانة الكبيرة فاتن حمامة، ظهر بصورة صدمت جمهوره، فاقداً أسنانه دون أن يستعين بأسنان صناعية، دون شعر وبوزن زائد، صورة بعيدة كلياً عن تلك التي دغدغت أحلام المراهقات والشابات قبل عقود، فكان حضوره هزيلاً ومثيراً للشفقة والحسرة على زمن كان فيه نجماً دون منازع، قبل أن يعود ويظهر في أفلام كرّسته في تلك الصورة.

 

أما الفنانة وردة الجزائرية، فقد اعترفت في مقابلة لها بشعورها بالضيق من جسدها الهزيل، قالت إن قلبها وعقلها لا يزالان شابين، وحين ظهرت قبل شهرين في بيروت، في حفل استعانت فيه بمساعدين تأبطأت ذراعيهما لتصعد إلى المسرح، أذهلت الحاضرين بصوتها الشجي وروحها المرحة، التي انتصرت على الجسد الهزيل، وجعلتها وردة نضرة في خريف عمرها.

 

ولا ترتبط  مسألة اعتزال كبار النجوم بمرحلة عمرية معينة، إذ لا تزال السيدة فيروز تشدو بصوت عذب وحضور آسر أذهل الحاضرين في حفلها الأخير الذي أحيته في بيروت قبل سنة، إلا أن ظهور النجوم بصورة هزيلة، لا تثير إلا الشفقة لا معنى لها سوى حباً في الظهور، وأي ظهور لا يحصد صاحبه بعده إلا دموع حسرة على ماض كان فيها نجم بكافة المقاييس، قبل أن تندثر المقاييس ويصبح هو نجماً مجرّداً إلا من ذكريات تبقيه في قلوب من يحبه، أرشيفاً حافلاً بالإنجازات، وحاضراً مثيراً للشفقة.

التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -